تقرير لمعهد باريس الفرانكفوني للحريات يوثق تصاعد حاد في عمليات الإخفاء القسري في مصر

0

باريس- أصدر معهد باريس الفرانكفوني للحريات اليوم السبت تقريرا يوثق تصاعدا حادا في عمليات الإخفاء القسري في مصر بشكل ممنهج بحق الناشطين والحقوقيين والعديد من المواطنين بما يعبر عن انتهاكات فاضحة للقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني وتقييد للحريات العامة.

وقال معهد باريس وهو منظمة حقوقية دولية، إن السلطات المصرية لا تظهر أدنى مستوى من التعاون مع حالات الإخفاء القسري المسجلة في البلاد بما يثبت تورطها بالتزامن مع تقليص مسـاحة المجتمع المدني واستهداف النشطاء الحقوقيين الذين يعملون على توثيق جريمة الإخفاء القسري من جانب قوات الأمن المصرية.

ورصد التقرير في الفترة الزمنية من آب/أغسطس عام 2017 إلى نفس الشهر من العام الجاري 2018 تسجيل 1989 حالة إخفاء قسري في مصر، فيما تم رصد ظهور 1830 حالة بعد الإخفاء القسري، فيما بلغ عدد الشكاوى التي قدمت إلى الآليات الدولية لمساعدة ضحايا الإخفاء القسري 141 شكوى، بينما لم يحل بلاغ واحد من مئات البلاغات المقدمة من الضحايا أو ممثليهم إلى التحقيق الجدي.

وأشار التقرير إلى أحد حالات الإخفاء القسري في مصر ممثلة بالمعارض المصري مصطفى النجار الذي ألقت السلطات الأمنية المصرية القبض عليه بحسب ما أعلنت مصادر إعلامية وأخرى مرتبطة بالنجّار نفسه، ثمّ خرج بيان رسمي عن الهيئة العامة للاستعلامات في مصر يعلن أن لا علم للسلطات بمكان النجّار المختفي منذ ذلك الوقت، نافيًا إلقاء القبض عليه.

وأكد التقرير الحقوقي أن حالة النجّار تمثل نموذجًا للإخفاء القسري في مصر، حيث “تختطف”، السلطات مئات المعارضين، وتغيّبهم في سجونها، ثم تنفي علمها بمصيرهم.

وفي تسلسل الأحداث، فقد نشر موقع صحيفة “الدستور” المصرية الخاصة، في الثالث عشر من أكتوبر/تشرين الأول الجاري، خبراً يفيد بأن وحدة تنفيذ الأحكام بمديرية أمن القاهرة، ألقت القبض على البرلماني المصري السابق، مصطفى النجار، الصادر ضده حكم بالحبس في قضية إهانة القضاء.

وفي اليوم ذاته، نشرت صفحة النجار على موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”، منشورا يفيد بإلقاء القبض عليه بعد مكالمة هاتفية بينه وبين أسرته.

وفي يوم 15 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، طالب المحامي نجاد البرعي، محامي دفاع مصطفى النجار، محكمة النقض المصرية بالاستعلام عن موكله بمصلحة السجون.

ويوم الخميس 18 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، أصدرت الهيئة العامة للاستعلامات المصرية، وهي منظمة إعلامية رسمية ناطقة باسم الحكومة، بياناً بعنوان “مصطفى النجار ليس محبوساً ولا علم للسلطات بمكان هروبه حتى الآن”.

وأضاف البيان: “بخصوص ما أثارته بعض وسائل الإعلام الأجنبية حول الدكتور مصطفى أحمد محمد النجار طبيب الأسنان والبرلماني السابق وأحد مؤسسي حزب العدل، ونشر بعضها أخباراً بإلقاء القبض عليه، وإشاعة البعض الآخر بأنه مختف قسرياً. واستناداً إلى معلومات رسمية من الجهات المختصة، فإن النجار كان -ولا يزال- هارباً من تنفيذ الحكم الصادر عليه بالسجن المشدد لمدة 3 سنوات في القضية المعروفة باسم “قضية إهانة القضاء” منذ صدور الحكم في 30 ديسمبر/كانون الأول 2017″.

وأضافت الهيئة “تقدم المذكور عبر محاميه بالطعن على الحكم أمام محكمة النقض، والذي يستلزم قبوله شكلاً منها أن يكون المتهم الطاعن قد سلم نفسه للسلطات الأمنية لتنفيذ الحكم قبل جلسة نظر الطعن بيوم واحد على الأقل. وتحدد موعد جلسة النقض يوم 15 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، وانعقدت دون أن يسلم المذكور نفسه في الموعد السابق ذكره ولم يحضرها”.

وتابعت “نشر المذكور على صفحته الموثقة على “فيسبوك” يوم 13 أكتوبر قبل جلسة النقض بيومين مشاركة من حوالي ألف كلمة حول القضية المدان فيها واحتمالات سجنه بسببها. وعقب نشر هذه المشاركة وبعد صدور حكم محكمة النقض برفض طعن المذكور، تواترت أخبار وإشاعات في بعض وسائل الإعلام الأجنبية والمصرية بإلقاء السلطات الأمنية القبض عليه أو باختفائه قسرياً”.

وانتهى البيان بـ”وفق كل ما سبق؛ أكدت الاستعلامات في بيانها أن الجهات المختصة في مصر تنفي نفياً قاطعاً أن يكون النجار قد ألقي القبض عليه من الأجهزة الأمنية أو أنه قد سلم نفسه إليها، وأنه لا صحة مطلقاً لأي إشاعات حول ما يسمى باختفائه قسرياً، وأنه لا يزال هارباً بكامل إرادته من تنفيذ الحكم القضائي الصادر عليه، وأن كل ما هو خلاف هذا ليس سوى ادعاءات لا أساس لها من الصحة، وتأتي في سياق محاولته التهرب من تنفيذ الحكم الصادر عليه”.

ومصطفى النجار، هو طبيب أسنان وناشط سياسي ومدون وبرلماني سابق، وأحد مؤسسي حزب “العدل”، بعد الثورة، مع عدد من شبابها، وهو أول حزب شبابي مصري ضم عدداً كبيراً من شباب الثورة.

بدأ النجار العمل العام مبكراً حيث ترشح في انتخابات “اتحاد طلاب المدارس الثانوية” و”انتخابات اتحاد الطلاب” بالجامعة وواجه الشطب والحرمان من الترشح أكثر من مرة بسبب آرائه المعارضة للنظام.

كما أن له نشاطات في العمل الخيري والاجتماعي وتطوير العشوائيات. وهو عضو بعدد من منظمات المجتمع المدني ويمارس نشاطه المدني الخيري والتنموي والحقوقي منذ عشر سنوات، قبل أن يعتزل السياسة في أعقاب الانقلاب العسكري في الثالث من يوليو/تموز 2013.

كم شغل منصب منسق “شبكة صحافيون ومدونون عرب من أجل حقوق الإنسان” وهي شبكة حقوقية عربية مقرها العاصمة اللبنانية بيروت. وهو أحد مؤسسي الجمعية الوطنية للتغيير وواحد من رموزها الشابة قبل الثورة، كما تولى منصب منسق “الحملة الشعبية لدعم البرادعي ومطالب التغيير” قبل الثورة.

وتعرض النجار للاعتقال أكثر من مرة في عهد نظام الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك نظراً لنشاطه السياسي، حيث ألقي القبض عليه في يناير/كانون الثاني عام 2010 عقب زيارة وفد المدونين والنشطاء للعزاء في ضحايا مذبحة نجح حمادي من الأقباط، كما تم اعتقاله مساء يوم 25 يناير/كانون الثاني 2011 بعد فض الاعتصام بميدان التحرير وإصابته.

وكان له مقالات رأي بشكل دوري في عدد من الصحف منها “الشروق” و”المصري اليوم”، وله مجموعة قصصية أدبية منشورة. كما أن له عدة أوراق بحثية منشورة عن التحول الديمقراطي، الإسلام والديمقراطية والحركات الاحتجاجية.

وتزامنت الأنباء عن إخفاء النجار قسرياً، مع حملة أمنية شرسة طاولت عدداً من النشطاء والمحامين، كان آخرهم المحاميين الحقوقيين سيد البنا وأحمد أبو علم، ظهرا لاحقاً في نيابة أمن الدولة، وطبيب الأسنان وليد شوقي، لم يظهر حتى إعداد التقرير.

وفي حالة ثانية، أشار التقرير الحقوقي إلى حالة للإخفاء القسري الذي تعرض له المحامي عزت غنيم المدير التنفيذي للتنسيقية المصرية للحقوق والحريات في تشرين أول/أكتوبر 2018 رغم صدور قرار بإخلاء سبيله منذ أكثر من شهر.

وأصرت الأجهزة الأمنية المصرية على إنكارَ احتجاز غنيم لديها رغم أنه شوهد لآخر مرة بقسم شرطة الهرم، بعد قرار إخلاء سبيله بتدابير احترازية في 4 سبتمبر/أيلول 2018. واحتجز تعسفيًا داخل القسم عشرة أيام لحين ورود تحريات الأمن الوطني للإفراج عنه، إلا أن القسم أنكر وجوده يوم 14 سبتمبر/أيلول بحسب ما أفادت أسرته.

وألقي القبض على المحامي غنيم يوم 1 مارس/آذار 2018، وجرى عرضه على نيابة أمن الدولة العليا بالتجمع الخامس يوم 3 مارس/آذار 2018 على ذمة القضية رقم 441 لسنة 2018 أمن دولة عليا. وجّهت النيابة لغنيم تهمتي نشر أخبار كاذبة والانضمام لجماعة أُسست على خلاف القانون، وظل غنيم قيد الحبس الاحتياطي في سجن الاستقبال بمجمع سجون طرة لمدة تقارب 6 أشهر.

وفي جلسة 4 سبتمبر/أيلول 2018 قررت محكمة الجنايات إخلاء سبيله بالتدابير الاحترازية، فنقل من سجن استقبال طرة إلى ترحيلات الجيزة، ومنها إلى قسم شرطة الهرم يوم 8 سبتمبر/أيلول 2018 ومن ثم تعرض للإخفاء القسري.

وشدد تقرير معهد باريس الفرانكفوني للحريات على أن انتهاكات لسلطات المصرية لحقوق الإنسان خصوصا الإخفاء القسري لنشطاء حقوقيين وصحفيين ومدونين والمعارضين السياسيين إضافة إلى مواطنين عاديين بلغت مستوى خطير وغير مسبوق في ظل اعتقال المئات من معتقلي الرأي في سجونها بشكل تعسفي ومن دون أي سند قانوني.

وأبرز إصدار السلطات المصرية مؤخراً تشريعاً جديداً يسمح بالرقابة الجماعية على منصات الأخبار المستقلة وصفحات تعود إلى جماعات حقوق الإنسان. فمنذ أبريل/ نيسان 2017، حجبت أجهزة الأمن ما لا يقل عن 504 مواقع دون تصريح أو إشراف قضائي. وقد اعتمد البرلمان في البلاد القوانين دون إجراء أي تشاور مع المجتمع المدني أو الصحفيين، وذلك بصفة أساسية تحت ذريعة إجراءات “مكافحة الإرهاب”.

وأعرب التقرير عن بالغ القلق إزاء مصير وسلامة المختفين قسريا في مصر، مؤكدا أن ارتكاب جريمة الإخفاء القسري أصبحت السياسة غير الرسمية للأجهزة الأمنية المصرية، والتي توسّعت مؤخرًا في أعمالٍ للخطف والإخفاء القسري وانتزاع الاعترافات أو المعلومات تحت التعذيب في أماكن الاحتجاز غير الرسمية.

وختم تقرير المعهد الحقوقي الدولي بالمطالبة بإرسال بعثة من لجنة الاحتجاز التعسفي والاختفاء القسري التابعة للأمم المتحدة إلى مصر لتفهم الأسباب الأساسية لحالات الحرمان التعسفي من الحرية والاختفاء القسري للنشطاء الحقوقيين والصحفيين والمعارضين السياسيين والضغط على القاهرة لوقف انتهاكاتها لحقوق الإنسان والتي تخالف كافة المواثيق والقوانين الدولية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.